محمد بن جرير الطبري
156
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سألت ابن مسعود عن السحت ، أهو الرشا في الحكم ؟ فقال : لا ، من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق ، ولكن السحت يستعينك الرجل على المظلمة فتعينه عليها ، فيهدي لك الهدية فتقبلها حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن هبيرة السبئي ، قال : من السحت ثلاثة : مهر البغي ، والرشوة في الحكم ، وما كان يعطى الكهان في الجاهلية حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن مطيع ، عن حماد بن سلمة ، عن عطاء الخراساني ، عن ضمرة ، عن علي بن أبي طالب ، قال في كسب الحجام ، ومهر البغي ، وثمن الكلب ، والاستجعال في القضية ، وحلوان الكاهن ، وعسب الفحل ، والرشوة في الحكم ، وثمن الخمر ، وثمن الميتة : من السحت حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال : الرشوة في الحكم حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به " . قيل : يا رسول الله ، وما السحت ؟ قال : " الرشوة في الحكم " حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الجبار بن عمر ، عن الحكم بن عبد الله ، قال : قال لي أنس ين مالك ، إذا انقلبت إلى أبيك فقل له : إياك والرشوة فإنها سحت وكان أبوه على شرط المدينة حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن سالم ، عن مسروق ، عن عبد الله ، قال : الرشوة سحت . قال مسروق : فقلنا لعبد الله : أفي الحكم ؟ قال : لا ، ثم قرأ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ وأصل السحت : كلب الجوع ، يقال منه : فلان مسحوت المعدة : إذا كان أكولا لا يلفى أبدا إلا جائعا . وإنما قيل للرشوة السحت ، تشبيها بذلك ؛ كأن بالمسترشي من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشره إلى الطعام ، يقال منه : سحته وأسحته ، لغتان محكيتان عن العرب ، ومنه قول الفرزدق بن غالب : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا ومجلف يعني بالمسحت : الذي قد استأصله هلاكا بأكله إياه وإفساده ، ومنه قوله تعالى : فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وتقول العرب للحالق : اسحت الشعر : أي استأصله . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ . . . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد ، وهم قوم المرأة البغية ، محتكمين إليك ، فاحكم بينهم إن شئت بالحق الذي جعله الله حكما له ، فيمن فعل فعل المرأة البغية منهم ، أو أعرض عنهم ، فدع الحكم بينهم إن شئت والخيار إليك في ذلك الحكم بين أهل الكتاب . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ يهود ، زنى رجل منهم له نسب حقير فرجموه ، ثم زنى منهم شريف فحمموه ، ثم طافوا به ، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقهم . قال : فأفتاهم فيه بالرجم ، فأنكروه ، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم ، فناشدهم بالله أيجدونه في التوراة ، فكتموه إلا رجلا من أصغرهم أعور ، فقال : كذبوك يا رسول الله ، إنه لفي التوراة حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني الليث ، عن ابن شهاب : أن الآية التي في سورة المائدة : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ كانت في شأن الرجم حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قال : إنهم أتوه يعني اليهود في امرأة منهم زنت يسألونه عن عقوبتها ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :